الجزء الأول: الرجل الذي مات مرتين
الساعة ١:٤٧ صباحاً.
كان الهاتف يرن بصمت على منضدة المكتب الخشبية، لكن آدم لم يرفع عينيه عن تلك البقعة الحمراء الصغيرة المنتشرة تحت جسد الرجل الميت. كان الجو في الشقة البنتهاوس زجاجياً، بارعاً في تزييف الشعور بالأمان. كل شيء هنا أبيض وأسود، حتى رائحة البارود التي لا تزال عالقة في الهواء المكيّف بدت وكأنها عنصر ديكور مدروس.
الضحية: إلياس حداد، الروائي الأشهر في الشرق الأوسط، بائع الظلام النفسي. كان جالساً على كرسيه الدوار، وكأنه لم يمت للتو، بل يستعد لكتابة سطر أخير في روايته القادمة. الرصاصة دخلت من الخد الأيمن وخرجت من الأيسر، لكن الغريب أن المسافة بين الطلقة ودخان البارود لا تتطابق مع زاوية إمساك المسدس. لا، المسدس لم يكن في يده. لم يكن هناك مسدس في الغرفة بالأساس.
غرفة مغلقة من الداخل بقفل إلكتروني لا يُفتح إلا ببصمة الضحية. نوافذ زجاجية عازلة للصوت تُطل على أفق المدينة، لكنها لا تُفتح. كاميرات المراقبة في الصالة الخارجية تؤكد أن إلياس دخل الغرفة وحيداً، ولم يخرج منها أحد حتى جاء عامل النظافة ليجد الباب موصداً، والجثة تتراقص تحت أضواء الشاشة المطفأة.
لكن آدم ناصر، المحقق المخضرم الذي أنهكه العمر والملفات الباردة، لم يكن ينظر إلى الجثة. كانت عيناه مثبتتان على رف المكتبة الخشبي، بالتحديد على ذلك الملف البني المغطى بالغبار. ملف لا ينتمي إلى هذه الشقة. ملف كتب عليه بوضوح: القضية رقم ٤٠٤ – ٢٠٠٦.
ارتعشت أصابع آدم لحظة مد يده. هذا الملف يخص أول قضية تولى تحقيقها في حياته، تلك القضية التي طاردته كالشبح لعشرين عاماً. قضية اختفاء عائلة كاملة في ليلة باردة، وإنهاؤها بتقرير مزور كتبه بنفسه ليخفي حقيقة لا يستطيع مواجهتها. كان يعتقد أنه دفن هذا الملف في أرشيف قسم الأدلة المهملة قبل خمسة عشر عاماً. كيف انتهى به المطاف هنا؟ وكيف عرف إلياس حداد بوجوده؟
اقترب من الجثة، انحنى ليلتقط ورقة صغيرة كانت محشورة بين أصابع الضحية المتصلبة. كانت مكتوبة بخط يد إلياس نفسه، خطه المتعرج الذي يعرفه كل القراء. لكن الكلمات التي قرأها جعلت قلب آدم يتوقف لوهلة.
"الفصل الأول – لقد عدت يا آدم. لقد عدت لأقول لك إنك لم تقتلني حينها. لقد كنت هنا طوال الوقت، أشاهدك من خلف الزجاج."
ارتطم شيء ما في صدر آدم. التفت إلى زملائه في الغرفة، لكنهم كانوا مشغولين بأخذ القياسات. نظر مرة أخرى إلى الملف البني، وفتحه على عجل. الصور الفوتوغرافية القديمة تناثرت على الأرض. كانت صور عائلة "الرجل الذي أخطأ في حقه"، الرجل الذي أعدم قبل عشرين عاماً بناءً على أدلة آدم المزورة.
فجأة، اهتز هاتف الضحية. هاتف إلياس حداد، الموضوع على الطاولة، بدأ يصدر نغمة قديمة جداً، نغمة عرفت من خلالها آدم أن المتصل ليس بشراً عادياً.
رفع السماعة بتردد، وقال بصوت أجش: "آدم يتحدث."
من الطرف الآخر، لم يكن هناك سوى تنفس عميق، ثم صوت مشوّه عبر برنامج تغيير الصوت، لكن آدم عرفه مباشرة. عرفه لأنه يقابله في كوابيسه كل ليلة.
قال الصوت البارد: "اللعبة بدأت يا محقق. إلياس لم يكتب تلك الورقة. أنا من كتبتها. وهو مات لأنه حاول أن يكتب الرواية التي كنت ستكتبها أنت يوماً. الرواية التي يموت فيها الأبرياء، ويعيش المجرمون كالأبطال. انظر خلف اللوحة يا آدم... وانظر جيداً."
قطع الصوت الخط.
نظر آدم حوله بذعر. عيناه اتجهتا نحو اللوحة التجريدية الضخمة المعلقة على الجدار المقابل للجثة. كانت لوحة سوداء بالكامل، تتناقض مع بياض الغرفة. صعد نحوها، وخلعها من على الحائط، ليكتشف وجود كاميرا صغيرة جداً، كاميرا مخبأة في الحائط، تنقل كل ما يحدث في الغرفة مباشرة. وكاميرا ثانية، وكاميرا ثالثة. الغرفة ليست غرفة موت، إنها غرفة بث مباشر.
على شاشة الكمبيوتر الخافتة، ظهرت فجأة كلمات تتطبع من تلقاء نفسها:
"مشاهدينا الأعزاء، مرحباً بكم في الحلقة الأولى من 'الجولة الأخيرة'. المتسابق الأول هو المحقق آدم ناصر. والسؤال الليلة: كم شخصاً يمكن أن يموت قبل أن تعترف بالحقيقة؟"
ارتجف آدم، وأدرك أنه لم يعد هو من يحقق في الجريمة... بل أصبح هو الجريمة نفسها.
اذا عجبك الجزء الاول .. اكتب تعليقا..
ملحوظة هامة: هذه الرواية بالكامل تم كتابتها وتاليفها بالذكاء الاصطناعى فهى لا تمت بالواقع بأى صلة.