مع اقتراب عام 1447 هجرياً، يتطلع المسلمون بشوق إلى رمضان 2026، الذي يأتينا هذه المرة متلحفاً ببرد الشتاء اللطيف. إنه ليس مجرد شهر للعبادة، بل هو رحلة كونية مذهلة تتقاطع فيها الحسابات الفلكية مع التنوع الجغرافي المثير، حيث تتفاوت تجربة الصيام بين من يفطر بعد 11 ساعة ومن ينتظر شروق شمس غابت لـ 20 ساعة.
1. شهر الـ 29 يوماً: لماذا سيكون رمضان 2026 "خاطفاً"؟
ترسم لنا الخريطة الفلكية ملامح شهر "خفيف" في عدته، حيث تشير الحسابات إلى أن رمضان لعام 2026 لن يكمل عدته الثلاثين، وسيكون 29 يوماً فقط. تبدأ أولى نفحاته يوم الخميس 19 فبراير، وينتهي رحيله بنهاية يوم الخميس 19 مارس، ليكون بذلك ضيفاً سريعاً يترك أثراً عميقاً في النفوس.
هذا القصر في العدة يمنح الشهر طابعاً "خاطفاً"، وهو ما يجعل الاستعداد له والحرص على كل دقيقة فيه ضرورة قصوى. وبما أن الفلك يؤكد انتهاءه بمرور 29 يوماً، فإن الفرحة بالعيد تأتي مبكرة لتتوج هذا الماراثون الروحاني الشتوي في وقت مثالي.
ولمن يخططون لاستقبال العيد وتنسيق لقاءات الأهل، فقد حسمت الحسابات الفلكية الموعد مبكراً ليكون عيداً يجمع المسلمين في أجواء احتفالية دقيقة التوقيت:
"سيكون يوم الجمعة 20 مارس 2026 هو غرة شهر شوال وأول أيام عيد الفطر المبارك، حيث ستقام صلاة العيد في محافظة القاهرة في تمام الساعة 6:24 صباحاً، لتعلن بدء أفراح المسلمين بتمام الصيام."
2. صيام الـ 20 ساعة: حين يختبر الشمال أقصى درجات الصبر
بينما نستمتع في منطقتنا العربية بنهار شتوي معتدل، ترسم الجغرافيا لوحة مغايرة تماماً في أقاصي الشمال. ففي مدن مثل "أوسلو" أو مناطق من كندا، يواجه الصائمون نهاراً يمتد لنحو 20 ساعة، وهو اختبار عظيم للصبر يمتزج بجمال الطبيعة الثلجية، حيث لا تغيب الشمس إلا لفترات قصيرة جداً.
في المقابل، تعيش دول نصف الكرة الجنوبي مثل البرازيل وجنوب أفريقيا والأرجنتين أقصر ساعات صيام في العالم، حيث يتراوح النهار هناك بين 11 و13 ساعة فقط. المثير للاهتمام أن الاتجاه العام لساعات الصيام يشهد تناقصاً تدريجياً؛ ففي الإمارات مثلاً، سيكون صيام أول يوم نحو 12 ساعة و46 دقيقة، وهو أقل بنحو نصف ساعة عما كان عليه في العام السابق.
هذا التباين الصادم يعزز فكرة "الوحدة الروحية رغم اختلاف الجغرافيا"؛ فالمسلم في صقيع النرويج والمسلم في حرارة البرازيل كلاهما يرفع الأكف بالدعاء في ذات اللحظات الإيمانية، رغم أن أحدهما قد أفطر والآخر لا يزال ينتظر غياب الشمس.
3. "فقه التيسير": كيف تعانق الشريعة جغرافيا الأرض؟
الإسلام دين لا يعرف العنت، وفي المناطق المتطرفة التي يطول فيها النهار لدرجة تفوق القدرة البشرية، تبرز عظمة "فقه المرونة". ففي مناطق مثل "جرينلاند" أو "آيسلندا"، حيث يكاد النهار أن يتصل بالنهار، وضع العلماء حلولاً فقهية تستند إلى مبدأ "التيسير" لضمان أداء العبادة دون إلحاق الضرر بالجسد.
تعتمد هذه الحلول على تقدير الوقت إما باتباع توقيت مكة المكرمة، بوصفها القبلة والمركز الروحي، أو اتباع توقيت أقرب مدينة معتدلة جغرافياً. هذا الاستثناء ليس مجرد رخصة، بل هو تجسيد لجوهر العبادة التي تهدف لتهذيب الروح لا تعذيب الجسد.
وقد لخصت المصادر الفقهية هذا الحل الذي يرفع الحرج عن المسلمين في تلك البقاع البعيدة بوضوح تام:
"أتاح علماء الشريعة للمسلمين في المناطق ذات النهار الطويل جداً خيارين شرعيين؛ إما اتباع توقيت مكة المكرمة أو توقيت أقرب مدينة معتدلة، لضمان قدرة الصائم على أداء فريضته بيسر وسهولة."
4. إمساكية المصريين: رحلة الدقائق الـ 50 بين أول الشهر وآخره
في مصر، يتحول رمضان إلى "ديناميكية وقت" ملموسة، حيث يزحف وقت الصيام تدريجياً بزيادة تقارب الدقيقة أو الدقيقتين يومياً. يبدأ المصريون شهرهم بأقصر يوم صيام يوم الخميس 19 فبراير بمدة 13 ساعة ودقيقتين، ومع مرور الأيام، يبدأ النهار في "سرقة" الوقت من الليل حتى يصل الصيام في اليوم الأخير إلى 13 ساعة و52 دقيقة.
وهنا تبرز "الإمساكية" كبطل شعبي لا غنى عنه في كل بيت مصري؛ فهي ليست مجرد ورقة مواعيد، بل هي أداة تنظيمية مقدسة تُعلق على أبواب الثلاجات وتُتداول عبر مجموعات الـ "واتساب". هي البوصلة التي تحدد موعد "اللمة" حول مائدة الإفطار، وتنبه الجميع لآخر لحظات السحور قبل أذان الفجر.
هذا الزحف الزمني بمقدار 50 دقيقة على مدار الشهر، يعكس جمال التغير الكوني الذي يواكبه الصائم بتغيير ترتيب يومه، حيث يمتزج العمل بالعبادة في تناغم فريد تفرضه ساعات الشتاء المعتدلة ونسمات الهواء المنعشة.
خاتمة
رمضان 2026 هو دعوة للتأمل في كونٍ واسع يسبح لله، حيث تجتمع القلوب على اختلاف لغاتها وجغرافيتها في رحلة 29 يوماً من الصفاء. سواء كنت ستصوم 11 ساعة في الجنوب أو 20 ساعة في الشمال، يبقى الجوهر واحداً والهدف أسمى من مجرد الامتناع عن الطعام.
سؤال للتأمل: في ظل هذا التوقيت الشتوي المميز وساعات الصيام المعتدلة في بلادنا، كيف ستعيد رسم جدول يومك لتجعل من "رمضان الخاطف" تجربة لا تُنسى؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق